الآلوسي

99

تفسير الآلوسي

ولا ناعب تنبيهاً على أن ذلك مع بعده لما كان واقعاً فهذا أجدر ، والغرض من التشبيه أن غير الموجود في اللفظ جعل بمنلته وأعمل ، ولا يخفى أنه خلاف المتبادر من عبارته ، وقيل : إنه معطوف على لفظ * ( إسحق ) * وفتحته للجر لأنه غير مصروف للعلمية والعجمة ، وعلى هذا دخوله في البشارة ظاهر إلا أنه قيل عليه : إنه يلزمه الفصل بين نائب الجار ومجروره وهو أبعد منه بين الجار ومجروره ، وفي البحر أن من ذهب إلى أنه معطوف على ما ذكر فقوله ضعيف لأنه لا يجوز الفصل بالظرف أو المجرور بين حرف العطف ومعطوفه المجرور ، فلا يجوز مررت بزيد اليوم وأمس عمرو فإن جاء ففي شعر ، فإن كان المعطوف منصوباً أو مرفوعاً ففي جواز ذلك خلاف نحو قام زيد واليوم عمرو . وضربت زيداً واليوم عمراً ، وقرأ الحرميات . والنحويان . وأبو بكر و * ( يعقوب ) * بالرفع على الابتداء ، * ( ومن وراء ) * الخبر كأنه قيل - ومن وراء إسحق يعقوب كائن . أو موجود . أو مولود - قال النحاس : والجملة حال داخلة في البشارة أي فبشرناها بإسحاق متصلاً به يعقوب . وأجزأ أبو علي أن يرتفع بالجار والمجرور كما أجازه الأخفش ، وقيل : إنه جائز على مذهب الجمهور أيضاً لاعتماده على ذي الحال ، وتعقب بأنه وهم لأنه الجار والمجرور إذا كان حالاً لا يجوز اقترانه بالواو فليتدبر . وجوز النحاس أيضاً أن يكون فاعلاً باضمار فعل تقديره ويحدث من وراء إسحق يعقوب . قال ابن عطية : وعلى هذا لا يدخل في البشارة ، وقد مر ما يعلم منه الجواب ، ودوراء ) * هنا بمعنى خلف وبذلك فسرها الراغب . وغيره هنا ، وهو رواية عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه تفسيرها بولد الولد وهو أحد معانيها كما في الصحاح ، والقاموس ، وبذلك قال الشعبي ، واختاره أبو عبيدة ، واستشكل بأن * ( يعقوبذ وله إسحق عليه السلام لصلبه لا ولد ولده ، ولدفع ذلك قال الزمخشري فيما نقل عنه : إن وجه هذا التفسير أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال : هاشم ويراد أولاده فكأنه قيل : من ولد ولد إسحق أولاد يعقوب ، ويتضمن ذلك البشارة بيعقوب من طريق الأولى ، وقيل : وجه ذلك أنه سمي ولد إسحق * ( وراء ) * بالنسبة إليها أي وراؤها من إسحق كأنهم بشروها بأن تعيش حتى ترى ولد ولدها ، أو بأن يولد لولدها ولد ، قيل : وهذا أقرب ، والمنقول عن الزمخشري أظهر ، والمعول عليه تفسيره بمعنى خلف إذ في كلا الوجهين تكلف لا يخفى ، والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة كما في قوله تعالى : * ( نبشرك بغلام اسمه يحيى ) * ( مريم : 7 ) وهو الأظهر . وروي عن السدى : ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد من غير تسمية ثم سميا بعد الولادة ، وتوجيه البشارة إليها مع أن الأصل في ذلك إبراهيم عليه السلام ، وقد وجهت إليه في آيتي الحجر . والذاريات للإيذان بأن ما بشر به يكون منهما ولكونها عقيمة حريصة على الولد وكانت قد تمنته حينما ولد لهاجر إسماعيل عليه السلام . * ( قَالَتْ ياوَيْلَتَا ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَاذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَاذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ ) * * ( قَالَتْ ) * استئناف بياني كأن سائلا سأل ما فعلت حين بشرت ؟ فقيل : قالت : * ( يَاويْلَتَي ) * من الويل وأصله الخزي ، ويستعمل في كل أمر فظيع ، والمراد هنا التعجب وقد كثرت هذه الكلمة على أفواه النساء إذ طرأ عليهن ما يتعجبن منه ، والظاهر أن الألف بدل من ياء المتكلم ، ولذا أمالها أبو عمرو . وعاصم في رواية ، وبهذا يلغز فيقال : ما ألف هي ضمير مفرد متكلم . وقرأ الحسن * ( يا ويلتي ) * بالياء على الأصل ، وقيل : إنها ألف الندبة ولذا يلحقونها الهاء فيقولون . يا ويلتاه * ( ءَأَلدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ) * ابنة تسعين سنة على ما روي عن ابن إسحاق ، أو تسع وتسعين على ما روي عن مجاهد .